2025-07-31678

الوقف التشاركي

نموذج معاصر لإحياء فريضة مجتمعية

 

وقف الأمس: إرثٌ يُلهم حاضرنا

   الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، أما بعد؛

   فمنذ فجر الحضارة الإسلامية، شكّل الوقف أحد الأعمدة الراسخة في بناء المجتمعات، وأداة فاعلة من أدوات التكافل والتراحم بين أفراد الأمة. ولم يكن الوقف مجرّد تبرّع عابر أو إحسان وقتي، بل كان استثمارًا ممتدَّا في الخير إلى أن يشاء الله ، يجري ثوابه ما دامت الحياة، امتثالًا لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له". [مسلم].

    لقد أبدع المسلمون عبر القرون في تنويع مجالات الوقف؛ فأسَّسُوا به المدارس، وأقاموا به المستشفيات، ومَوَّلوا به الرحلات العلمية، ووفَّرُوا به الكِسوة والطعام والمأوى للمحتاجين وعابري السبيل، حتى أصبح، الوقف، أداة تنمية حقيقية قبل أن تُولد مفاهيم التنمية الحديثة.

   ومع تطوّر الأزمنة، وتبدُّل الأحوال، وازدياد التحديات الاقتصادية والاجتماعية، بدأت نماذج الوقف التقليدي تواجه عقبات عدَّة، أبرزها: انخفاض أعداد الواقفين، وتركُّز الأوقاف في أيدي فئة محدودة، وضعف الوعي العام بثقافة الوقف. ومن هنا، برزت الحاجة إلى ابتكار أنماط وقفية حديثة تستوعب التغيرات المعاصرة، وتعيد إشعال جذوة المشاركة المجتمعية في هذه العبادة الجليلة.

مفهوم الوقف التشاركي: من الفرد إلى الجماعة

   الوقف التشاركي صيغة حديثة للوقف تقوم على مبدأ "الكل في واحد"، حيث يُتاح لأفراد المجتمع، صغارًا وكبارًا، أغنياءَ ومحدودي الدخل ـــ أن يُسهموا بمبالغَ يسيرةٍ في تأسيس وقفٍ جماعي، بدلًا من الاعتماد على واقف واحد يمتلك رأس مال كبير. إنه    صورة من صور التعاون على البر والتقوى، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}. [المائدة: 2].

   هذه الصيغة تفتح أبواب الوقف لكل راغب في الخير، ولو بقطرة في بحر، تجعل من الوقف مشروعًا شعبيًّا عامًّا، لا امتيازًا نُخبويًّا خاصًّا، وتُضفي عليه بُعدًا اجتماعيًّا يعزّز من تلاحم المجتمع، ويغرس في أفراده الشعور بالمسؤولية المشتركة.

الدوافع والحاجة إلى الوقف التشاركي

   إن التحولات الاقتصادية في عالمنا المعاصر، وارتفاع كلفة الإنشاء والتشغيل في المشاريع الوقفية، حالت دون قدرة الأفراد، ولو من ذوي النيات الطيبة، على تأسيس أوقاف فردية. لكن الرغبة في العطاء لم تذْبُل، والقلوب المؤمنة ما زالت تتطلَّع إلى نيل أجر الصدقة الجارية.. هنا يظهر الوقف التشاركي بوصفه الحل الأمثل الذي يحوِّل النيات الطيبة إلى مشروعات ملموسة.

فوائد هذا النموذج تتجلى في:

1. توسيع دائرة الواقفين: حيث لا يعود الوقف حكرًا على القادرين ماليًّا، بل يصبح في متناول الجميع.

2.رفع الوعي الوقفي: إذ يتيح النموذج التشاركي نشر ثقافة الوقف في أوساط المجتمع، خاصة الشباب والفئات الجديدة.

3. تنويع مصادر الدخل الوقفي: عبر شراكات متعددة تُسهم في استدامة التمويل وتخفيف المخاطر.

4. خفض التكاليف الفردية: فبدلًا من أن يحمل شخصٌ واحد عبء الإنشاء، تتوزّع المسؤولية على الجميع.

   وهكذا، يخرج الوقف من ضيق الفرد إلى سعة الجماعة، ومن محدودية الموارد إلى رحابة التعاون.

شواهد من الواقع: نماذج رائدة

   لم يعد الوقف التشاركي فكرةً نظريةً طموحةً فحسب، بل تحوّل إلى نموذج مطبّق في عدّة بلدان إسلامية، أثبت جدواه وفاعليته.. ومن أبرز هذه التجارب:

1. المملكة العربية السعودية: التي شهدت مبادرات نوعية، مثل مشروع "الوقف العلمي بجامعة الملك عبد العزيز" الذي مكَّن الجمهور من الإسهام في تمويل الوقف التشاركي بإشراف شرعي ومحاسبي دقيق.

2.  ماليزيا: حيث أنشئت منصات تقنية متقدمة تتيح للمواطنين التبرع لمشاريع وقفية جماعية، بكل شفافية وسهولة، وفق أطر شرعية دقيقة.

3. تركيا: التي تبنّت فكرة الوقف الجماعي في مجالات التعليم والتدريب، بدعم حكومي وتشجيع شعبي واسع.

   هذه النماذج تؤكد أن الوقف التشاركي لم يعد حُلْمًا، بل واقعًا حيًّا في عالمنا الإسلامي، يُعيد للأوقاف بهاءها، وللأمة حيويتها.

تشريعات وضوابط: نحو تنظيم راشد

لكن لا يمكن أن تنجح هذه المبادرات إلا في ظل تنظيم شرعي وقانوني رصين. ومن هنا، فإن تأطير الوقف التشاركي يتطلب:

1.          أنظمة تحمي أموال المشاركين، وتضمن عدم العبث بها، مع تحديد واضح للجهة الإدارية المسؤولة.

2.        حوكمة صارمة لمجلس النظار أو الهيئة المشرفة، تضمن الشفافية والنزاهة في إدارة الوقف.

3.       منصات رقمية موثوقة توثِّق التبرعات، وتعرض التقارير والأثر الوقفي أولًا بأول.

4.        برامج توعية مُكثَّفة تنشر مفهوم الوقف التشاركي، وتؤسس له.

وبهذا، يكون الوقف التشاركي قد دخل عصر الحوكمة الرقمية والتنظيم المؤسسي، دون أن يفقد جوهره الإيماني والروحي.

مجالات مقترحة لتطبيق الوقف التشاركي في المملكة

   في ظل التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها المملكة، ومع تصاعد الوعي المجتمعي بأهمية العمل التنموي غير الربحِيِّ، تبرز فرص واسعة لتطبيق الوقف التشاركي في ميادين متعددة، تواكب رؤية السعودية 2030 وتعزّز من حضور القيم الإسلامية في النسيج المدني.

ومن أبرز هذه المجالات المقترحة:

·     الوقف التعليمي:

تأسيس أوقاف جماعية لتمويل المقاعد الدراسية في الجامعات، أو توفير مِنَحٍ تعليمية للطلاب المحتاجين، أو دعم البحث العلمي، خاصةً في مجالات الطب، والهندسة، والتقنية الحيوية.

·     الوقف الصحي:

دعم علاج المرضى غير القادرين، وإنشاء صناديق وقفية جماعية لشراء الأجهزة الطبية، أو دعم المستوصفات الخيرية، أو تمويل برامج التوعية الصحية في المناطق الطرفية.

·     الوقف السكني

تمويل بناء وحدات سكنية للأسر المحتاجة، أو إصلاح بيوت الفقراء، أو دعم الصناديق الوقفية للإسكان التنموي، بما يعزز التكافل ويحقق مبدأ السكن الكريم.

·     الوقف الرقمي

إنشاء منصات إلكترونية تعليمية، أو تمويل المحتوى الإسلامي الرقمي، أو دعم المبادرات التي تخدم القرآن الكريم وعلومه، والتثقيف الشرعي للعوام.

·     وقف دعم الأسر المنتجة

تأسيس صناديق صغيرة لدعم مشاريع النساء العاملات من المنزل، والحِرَفِ التقليدية، والمنتجات الريفية، بما يحقّق التمكين الاقتصادي ويحفظ كرامة المحتاجين.

·     وقف المياه والخدمات الأساسية

خصوصًا في القرى والهِجَر، حيث يمكن لأهل الحي أو المدينة أن يشتركوا في حفر آبار، أو إيصال الكهرباء والماء، ويكون ذلك وقفًا جاريًا يُروَى به ظمأ الدنيا والآخرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  قال:]   ليس صدقة أعظم أجرًا من ماء[  حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

إن هذه المقترحات ليست حَصْرًا، بل هي نماذج قابلة للتطوير والتوسُّع، ويمكن أن تتبنّاها الجهات الوقفية الرسمية، أو الجمعيات الخيرية، أو حتى مبادرات شبابية، في ظل بيئة تنظيمية باتت أكثر نضجًا ووعيًا.

خاتمة: بعث جديد لروح الوقف

إن الوقف التشاركي ليس مجرد تطوير إداري، بل هو بعث جديد لروح الوقف، يذكّر الأمة بقيمة الملكية الجماعية في الإسلام، حيث لا يحتكر أحدٌ الخير، بل تتعاون عليه الأمة بأسرها؛ قال تعالى:

{وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ}. [البقرة: 110]

بهذا النموذج، يعود الوقف إلى كل بيتٍ، وكل حيّ، وكل قلب نابض بالإيمان. فإن أحسَنَت الجهات الرسمية والمؤسسات الوقفية تنظيمه وترويجه، صار الوقف التشاركي رافدًا قويًّا للعدالة الاجتماعية، ومحركًا للتنمية، وبابًا مفتوحًا لكل راغب في الصدقة الجارية.

فالخير إذا تعاضدت عليه القلوب، وتكاتفت عليه الأيدي، أينعت ثماره، وعمَّ نفعه، وارتفع ذكره في الأرض والسماء.

الأستاذ: خالد بكري الشيخ أحمد