
الحج والأوقاف.. لمحات حول العلاقة والارتباط
هل ثمة ارتباط بين فريضة الحج وسنة الوقف؟ ما وجه العلاقة بينهما؟ وهل لأحدهما تأثير على الآخر؟ هذا ما سأحاول الإجابة عليه -مستعيناً بالله-.
إن استقراء التأريخ الإسلامي، على امتداد ألف وأربعمائة عام، يؤكد على علاقة وطيدة جمعت بين شعيرتي الحج الوقف، وتأثير بالغ لكل منهما على الآخر. إذ أدى الوقف الإسلامي خدمات جليلة لتسهيل شعيرة الحج، وأداء مناسكه، ليس في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة فحسب، بل بدءاً من طرق الحج التي كانت تسلكها القوافل من مختلف البقاع وإلى الحرمين، إذ كان للوقف الإسلامي دور فاعل في تعبيد الطرق، وبناء الأسبلة، ومحطات التوقف للمسافرين، هذا بالإضافة إلى الإسهام في تقديم مجموع الخدمات التي يحتاجها الحاج والمعتمر في مكة والمدينة، من سكن، وإعاشة، وتنقل، وغير ذلك.
وفي المقابل مثلت شعيرة الحج، موسماً خصباً؛ لتحفيز قيم البذل والعطاء، لدى أفراد المجتمع الإسلامي من حول العالم، إذ شهدت المدينتين المقدستين، على امتداد التأريخ الإسلامي، احتضان العديد من المبادرات الوقفية، والتي تجاوزت في تطبيقاتها ومصارفها، قضية خدمة الحج وتسهيل أداء نسكه، لتشمل إلى جانب ذلك، الإسهام في تحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية، والعلمية، بل والإسهام في تحقيق الإصحاح البيئي، والأمن الغذائي. وشواهد ذلك أبلغ من أن تستوعبها خاطرة.
إن العلاقة الوطيدة بين الحج والوقف في الحضارة الإسلامية، وخدمة كل منهما وتأثره وتأثيره في الآخر، لها تطبيقاتها المعاصرة، ومنها ما زال الوقف حاضراً فيه حتى اليوم، إلا أن استقراء التأريخ الإسلامي يؤكد توافر فرص أعظم؛ لتعزيز قيمة الوقف في الحج، وفي ذات الوقت اغتنام موسم الحج لصالح الوقف الإسلامي، سواء من حيث الدعوة إلى المزيد من المبادرات والتطبيقات العملية، وتعظيم أثرها، أو من الناحية العلمية؛ ليمثل الحج، الزمن الأمثل لانعقاد أهم وأكبر المؤتمرات العالمية في مجال الوقف الإسلامي؛ حيث تتوافد العقول الإسلامية إلى المدينتين المقدستين في هذا التوقيت، دورياً.
ومع توجه الدولة لتحفيز الاستثمار الأجنبي؛ تتأكد أهمية التأمل في منظومة الوقف من غير السعوديين: تحفيزاً، وجذباً، وتنظيماً، وآلية استثمار مواسم الحج والعمرة؛ في إثراء تطبيقات الوقف بالمملكة العربية السعودية، وبما يحقق مستهدفاتها.
د.عبدالقيوم بن عبدالعزيز الهندي
عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية – المدينة المنورة
5 ذوالحجة 1444هــ