2024-03-141578

الوقف، بين تعظيم الأصل و تسبيل المنفعة

 

يدور الحديث في أوساط المهتمين بالوقف عن مجموعة من التساؤلات الجوهرية حول الطريقة المثلى في التعامل مع الوقف من صيانة أصوله إلى استثمارها و تعظيمها، ومن حساب الغلة إلى نسب توزيعها، و غير ذلك من الإشكالات التي تواجه العاملين في الأوقاف، والتي يؤمل أن تجيب عنها السياسات العامة والاستراتيجيات والقوانين المنظمة للأوقاف حال صدورها.

أستعرض في هذه المقالة أحد المفاهيم الحديثة التي يمكن تبنيها في مجال الوقف، والتي بحثت في عدد من المجالات المختلفة مثل التعليم والصحة، وهي فكرة التمركز حول المستفيد، والتي قدمت في التعليم من خلال محورية الطالب في التعليمstudent centered Learning  وقدمت أيضًا في المجال الصحي من خلال محورية المريض في الرعاية patient centered care  ويتميز هذا الأسلوب بوضع المستفيد في المقام الأول، وتوجيه بقية عناصر المنظومة لتحقيق الفائدة له أولاً، والتساؤل الذي أثيره هو مدى إمكانية تطبيق هذا المفهوم في الوقف، وكيف يكون ذلك؟ أتناول في هذه الأسطر تصوراً عملياً عن الوقف المتمركز حول المستفيد أو الموقوف عليه، وكيف يترجم ذلك على أرض الواقع للجهات المختصة وللنظار والمهتمين، وأهدف من ذلك إلى استثارة الفكر و طرح الأسئلة لا تقديم الإجابات، لكون هذه المسائل بحاجة إلى مزيد من النظر والبحث الفقهي والتاريخي والقانوني والاقتصادي، للوصول إلى السياسات والتشريعات والاستراتيجيات المناسبة للوقف في الوقت الحالي.
بداية، يمكن تعريف الوقف اصطلاحاً بأنه حبس الأصل و تسبيل الثمرة أو المنفعة.

ويقصد بالحبس، خروج المال الموقوف من ملك صاحبه ومنع التصرف فيه تصرفاً مؤثراً على الملكية )من بيع وإتلاف ورهن وغيره (، ويقصد بتسبيل المنفعة أو الثمرة، تمكين الموقوف عليه من منفعة الوقف بحسب طبيعتها. من الناحية القانونية، يعني هذا أن الحبس في الوقف في حقيقته غير مقصود لذاته، وإنما وجد كقيد على التصرفات المؤثرة في الملكية، ضماناً لتمكين الموقوف عليه من المنفعة، وهذا مما ذكره الفقهاء في تعريف الوقف بقولهم "... قطع تصرفه وغيره في رقبته  ..." لأجل ذلك، يمكن القول أن الوقف في جوهره يتمركز حول تمكين الموقوف عليه من المنفعة، لا حول بقاء الأصل إلى الأبد ولا حول تعظيم أصوله واستثمارها في حال أثر ذلك على تمكين الموقوف عليه من المنفعة أو بعضها.

وبقاء الوقف على التأبيد لا يعني أن على الناظر حماية الوقف من الفناء، أو أن المقصود بالوقف استبقاء الأصل إلى قيام الساعة، لمنافاة ذلك للعادة، ولذلك لا يشترط أن يكون المال الموقوف غير قابل للهلاك، وإنما يشترط فيه عدم هلاكه باستخدام منفعته فيما أعدت له، ويؤيد ذلك تعريف المال الموقوف عند الفقهاء بأنه مما" ... يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه ..." فالمزرعة قد تتعرض للجفاف، والبئر قد تنضب، والبناء قد يهدم، والمنقول من كتاب وأثاث وغيره قد يتلف، و مع ذلك يجوز وقفها.

ولتوضيح ذلك بمثال، يصح وقف النخل ولا يصح وقف الطعام، لان الانتفاع بالنخل بحسب طبيعته يقتضي استصلاحه بهدف جني التمر منه، ولا يؤدي ذلك الى هلاك العين الموقوفة - النخل في هذه الحالة - ولا يصح وقف الطعام، لان الانتفاع به لا يكون إلا بأحد أمرين، الأول ببيعه وهذا غير جائز في الوقف كونه من التصرفات الناقلة للملكية، والثاني بأكله وهذا لا يصح في الوقف كذلك لأنه يؤدي بالضرورة لهلاك العين الموقوفة وانقطاع المنفعة. إذن يفهم من ذلك أن المقصود بالتأبيد عدم توقيت الوقف لفترة محدد )باستثناء من أجاز ذلك من الفقهاء(، وبقاء العين الموقوفة من خلال أمرين، الأول منع التصرف المؤثر في الملكية عليها، والثاني صيانة العين الموقوفة تحقيقاً لاستمرار المنفعة طيلة عمرها الافتراضي بحسب الوقف، بين تعظيم الأصل و تسبيل المنفعة طبيعتها، ويدخل ذلك في عمارتها حتى تبقى منفعتها للمستفيد كما هي دون نقص أو زيادة مالم يشترط الواقف ذلك كما ذكره ابن عابدين.

وتأتي أهمية هذا التفصيل من الناحية العملية للجهات التشريعية ولنظار الأوقاف والمهتمين بها، فالواجب على صانعي السياسات والتشريعات تضمين القوانين التي تحمي العين الموقوفة من أي تصرف مؤثر على الملكية بما في ذلك الرهن، وكذلك فرض القوانين التي تضمن تمكين الموقوف عليه من منفعة الوقف بإجراءات تضمن الشفافية في تعامل الناظر مع العين الموقوفة، وتفرض عليه الرقابة إن قصر في تمكين الموقوف عليه من المنفعة - ولو بقصد تعظيم أصول الوقف - ومن ذلك على سبيل المثال فرض القيود على الاستثمار عالي المخاطر ولو شرطه الواقف لمنافاته لمقتضى الوقف، وفرض قيود محددة لتوزيع الغلة أو التمكين من المنفعة لا يجوز للناظر تجاوزها مالم تخالف شرط الواقف ومقتضى الوقف.

ويؤثر ذلك على العاملين في نظارة وإدارة الوقف، فينبغي أن يكون الهدف الأسمى للناظر تمكين الموقوف عليه من المنفعة وتعظيم أثرها عليه بشكل مباشر وحال لا مؤجل بأي حال من الأحوال، وينبغي تبعاً لذلك أن تدار المؤسسات والكيانات الموقوفة من ناحية وضع الاستراتيجيات واختيار الموظفين وبناء المشاريع بقصد تحقيق المنفعة للمستفيد من الوقف بشكل رئيسي، وتكون الأدوار الأخرى من الصيانة والاستثمار وغيرها خادمة لهذا المقصد وممكنة له لا مؤثرة عليه.

وينبغي للمهتمين بالوقف من كيانات وأفراد استخدام الأدوات العلمية من الأبحاث والتدريب والابتكار بما يوفر المعارف والمهارات التي تساعد في تعظيم المنفعة للموقوف عليه بحسب طبيعة المال الموقوف وشرط الواقف عوضاً عن التركيز على استثمار وتعظيم الأصول لمنافاة ذلك لفكرة الوقف من أساسها والتي تدور حول تمكين الموقوف عليه من المنفعة وتعظيم أثرها عليه لا تعظيم الأصل.

والله الموفق.

ريان بن جمال الخلاوي

 ٨ ربيع الأول ١٤٤٥هـ