2026-07-28149
انقر هنا للتحميل ("pdf - مقال وقف بيئي")download

وقـف بـيـئـي

 

وقف بيئي أو الوقف البيئي هو وقف يشمل كل أبواب العطاء لبناء حياة بيئية سليمة، ويقوم على دعائم أساسية تتطابق ومقاصد الشريعة الإسلامية، من جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم، ومن الصيغ الفقهية التي يمكنها تمويل مشاريع الوقف البيئي الإسلامي (الصكوك الوقفية البيئية)، والتي هي من أهم آليات التمويل المعتمدة في العديد من الدول الإسلامية والعربية، ومن أهم مجالات الوقف البيئي: التشجير والتخضير، والعمارة والتثمير، والنظافة والتطهير، والإحسان إلى البيئة والحفاظ على الإنسان وغير ذلك من المجالات، وأما أول وقف بيئي في الإسلام كما يرى كثير من الباحثين؛ هو وقف بئر رومة.

مفهوم الوقف البيئي وحقيقته

مفهوم الوقف البيئي

هو حبس المال من أجل البيئة، والمحافظة على ما يحيط بالإنسان نقياً صافياً خالياً من التلوث الذي يضر بصحة الإنسان وحياته، فالوقف إحياء لدور الوقف في حماية البيئة، وهو وقف شمولي، وباب واسع وليس مقتصراً على وقف المساجد، بل يشمل كل أبواب العطاء لبناء حياة بيئية سليمة.

حقيقة الوقف البيئي ومضمونه

الوقف البيئي في حقيقته ومضمونه هو عملية تنموية بحكم تعريفه، فهو يتضمن بناء الثروة الإنتاجية من خلال استثمار ينظر بعين الاعتبار للأجيال القادمة، ويقوم على التضحية بفرص استهلاكية آنية مقابل زيادة الثروة الإنتاجية.

علاقة الوقف البيئي بالإنسان

الوقف البيئي له علاقةٌ بمسؤولية الإنسان تجاه البيئة، حيث أَمَرهُ الله بعمارة الأرض وإصلاحها، قال تعالى﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ {هود61}، ونهاه عن إتلاف مواردها أو إفسادها، فقال تعالى﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ ]الأعراف56  [

أول وقف بيئي في الإسلام

كان للوقف البيئي الإسلامي دور كبير في التنمية المستدامة منذ بداية نشأة الدولة الإسلامية في مدينة رسول الله ، وكان أول وقف بيئي هو وقف بئر رومة، فقد كانت هذه البئر لرجل من قبيلة مزينة، ثم باعها لرومة الغفاري، ولم يكن بالمدينة المنورة ماء يستعذب غير مائها، ولهذا كان مالكها يبيع منها القربة الماء بمد تمر نبوي، وقد سأل رسول الله  رومة أن يبيعها للمسلمين بقولة: بيعها بعين في الجنة، فقال له الرجل: يا رسول الله، ليس لي وعيالي غيرها، ولا أستطيع ذلك، فبلغ ذلك عثمان بن عفان، فاشتراها منه على دفعتين:

الأولى بخمسة وثلاثين ألف درهم، واتفق مع صاحب البئر على أن يكون له يوم، ولصاحب البئر يوم، فإذا كان يوم عثمان استسقى المسلمون ما يكفيهم يومين، ثم اشترى الدفعة الثانية بثمانية آلاف درهم وجعلها كلها وقفاً على المسلمين.

الوقف البيئي الإسلامي وتحقيق التنمية للبيئة

يمكن جعل الوقف البيئي الإسلامي أداة لحماية البيئة وتفعيل التنمية المستدامة من خلال بعض الصيغ الفقهية، التي يمكنها تمويل مشاريع الوقف البيئي الإسلامي، ومن تلك الصيغ ما يلي:

الصيغة الأولى: الصناديق الوقفية البيئية

وهذه الصيغة تُعَد من الصيغ المبتكرة في تسيير العمل الوقفي، وتُعْرَّف بنفس التعاريف التي عُرِّفَت بها الصناديق الوقفية، وممكن الاختلاف بينهما يكمن في توجيه ريع استثمارها المتحصل عليها نحو المشاريع ذات صيغة البيئية لغاية المحافظة عليها، ومن أهم الفوائد التي تعود من هذه الصناديق الوقفية البيئية، ما يلي:

1.        ضمان تمويل لقطاع الوقف البيئي الإسلامي مما يساهم في إحيائه.

2.      تجديد الدور التنموي للوقف، لا سيما مشاريع كالوقف البيئي.

3.     المساهمة في تلبية حاجيات المجتمع البشري خاصة في المجالات الغير الموقوفة.

4.      الحد من الظواهر السلبية كالتلوث البيئي، بفضل حسن توجيه تلك الأموال الموقوفة.

5.     مساهمة أطياف من المجتمع في تحقيق الدعوة للوقف وإدارته.

الصيغة الثانية: الصكوك الوقفية البيئية

وهي من أهم آليات التمويل المعتمدة في العديد من الدول الإسلامية والعربية، وقُدِّمَت بشأنها عدة تعريفات، وحصيلة الصكوك الوقفية البيئية توجه للاستثمار في المشاريع ذات الصبغة البيئية، ومن أهم الفوائد ذات الأهمية التي تعود بها الصكوك الوقفية البيئية، ما يلي:

1.        أن الصكوك الوقفية البيئية ابتكاراً جديداً للهندسة المالية الإسلامية الموجه لاستثمار وتمويل الوقف البيئي الإسلامي، ومجالاً للمساهمة فيها من الأفراد ومؤسسات وهيئات ما يضمن استمرارها.

2.      أنها من الطرق المستحدثة في تجميع الموارد المالية لدى الراغبين في وقف أموالهم في مشاريع بيئية كبيرة وناجعة، مثال مشروع تحلية المياه والتي لا يمكن لصغار الملاك القيام بها.

3.     جذب المدخرات المعطلة في البنوك أو البيوت وتوظيفها في مشاريع بيئية إنتاجية، ولا شك أنه يحرك عجلة الاقتصاد مثال مشاريع تدوير النفايات.

4.      نشر ثقافة المقاولاتية والمساهمة في خلق مناصب عما واستفادة السكان المحليين من مخرجات المشروع.

الصيغة الثالثة: الإستصناع البيئي

وهذه الصيغة هي من العقود الشرعية المسماة عند الحنفية، ويسمى عند باقي المذاهب "السلم في الصناعات"، ومن العقود التي أجازها جمهور الفقهاء، وقد طبق في عهد الرسول ، فهو عقد قديم حديث ويمكن تطبيقه بشكل أكثر ملائمة في هذا الزمان بفضل توفر السيولة المالية، وخاصة في استغلال الأراضي الوقفية، ونرى اليوم توجه المشرفون على الوقف البيئي إلى المصارف الإسلامية لتمويل الاستثمارات على الأراضي الوقفية بموجب عقد استصناع.

الصيغة الرابعة: نظام البناء والتشغيل والتحويل

وهذه الصيغة من الصيغ التي استحدثها الغرب في مجال تمويل المشاريع الاستثمارية، ولا يمنع مخالفتها للشرع من الاستفادة منها، فهي تمثل صورة لمشاركة القطاع الخاص (المحلي والأجنبي) في إقامة وإنجاز المشاريع الكبرى دون أي أعباء تمويلية من الحكومات.

الوقف البيئي كمصرف من مصارف الوقف

يعتبر الوقف مصدر خير للمجتمع الإسلامي، وقد أدت الأوقاف الإسلامية الخيرية دوراً مهماً في خدمة الأمة الإسلامية في شتى المجالات من مساعدة الفقراء والمحتاجين، والمساجد والمدارس والمكتبات، كما خصصت الأوقاف للمحافظة على صحة الإنسان، فوقف المسلمون الأوقاف لصالح بناء المستشفيات، وساعدت هذه الأوقاف في تطوير مهنة الطب والتمريض والصيدلة، وفي علاج المسلمين من المحتاجين وغيرهم، وفي شراء الأدوية والعلاجات لهم، كما خصصت الأوقاف لتحقيق النفع العام للمسلمين من إقامة الجسور، وتعبيد الطرق للمشاة وإصلاحها، وإنشاء الحدائق والمنتزهات لعابري السبيل، ووقف السفن والعبارات لنقل الناس عبر الأنهار، وحفر الآبار، وتسبيل الماء في الطرقات العامة، وإقامة الحمامات العامة، وإقامة الاستراحات للمسافرين من عناء السفر وتجهيزها بوسائل الراحة الضرورية، وغيرها من الأوقاف المتعلقة بالبيئة، وحفظ النفس البشرية لا يكون إلا بالعناية بالبيئة التي تحيط به، ونظام الوقف نظام قابل للتطوير في نظامه ومصارفه، وتنشيط دور الوقف التنموي وإحيائها ليس فيه خرجاً على الإسلام، أو تحريفاً لأحكامه، بل هو من صميم مبادئه، ومن أصول أحكامه، فمن أهم مقاصد الوقف رعاية مصالح الأمة وحفظها، فكل ما يحقق هذا الهدف لا يخرج عن هذا المصرف..، فالوقف البيئي وقف من أجل المحافظة على صحة الإنسان وحياته، والمحافظة على النفس البشرية من الضرورات الخمس التي دعت كل الشرائع السماوية إلى حفظها.

أصناف الوقف البيئي

يمكن تقسيم أصناف الوقف البيئي في التراث الإسلامي إلى نوعين:

  • الأول: وقف الأعيان البيئية: ويعني وقف المورد البيئي في ذاته.
  • الثاني: وقف التمويل البيئي: ويعني تخصيص عوائد مؤسسات أو صناديق وقفية لمصارف تهدف إلى رعاية البيئة وصون وتنمية مواردها، والاستدامة البيئية كما ذُكر، تتطلب نظاماً يضمن الحفاظ على موارد الأرض وبيئتها، ويحقق التوازن الحالي والمستقبلي لهذه الموارد، وقد وضع الإسلام ركائز لرعاية البيئة، تتمثل في الآتي:

1.        التشجير والتخضير.

2.      العمارة والتثمير.

3.     النظافة والتطهير.

4.      المحافظة على الموارد.

5.     الحفاظ على الإنسان.

6.      الإحسان إلى البيئة.

7.     المحافظة على البيئة.

8.     حفظ التوازن البيئي.

فالوقف البيئي في حقيقته ومضمونه هو عملية تنموية، إذ يتضمن بناء الثروة الإنتاجية من خلال استثمار ينظر بعين الاعتبار للأجيال القادمة، ويقوم على التضحية بفرص استهلاكية آنية، مقابل زيادة الثروة الإنتاجية.

نماذج لأوقاف إسلامية بيئية مستدامة

بئر زمزم

المقالة الرئيسةزمزم

وهي بالقرب من الكعبة المشرفة، ولا تزال عين زمزم تتدفق ويُستخرج منه بواسطة آلات ومضخات، ووضعت بشأنه العديد من المنشآت تطويراً له خدمة لحجيج الحرمين، وهي بركة من الله على مدى العصور والعهود.

وقف عثمان بن عفان (بئر رومة)

المقالة الرئيسةبئر رومة

فقد كان أول وقف أسهم في حفظ الموارد المائية وتأمينها لمتطلبات الحياة في مدينة رسول الله .

طريق زبيدة زوج هارون الرشيد

المقالة الرئيسةعين زبيدة

فقد حفلت الكتب التاريخية بطريق زبيدة، الذي أوقفت فيه الآبار والعيون والاستراحات للحجيج.

مستشفيات وقفية

مستشفى أنشأه (الفتح بن خاقان) وزير المتوكل على الله العباسي، ومستشفى آخر أسسه أمير مصر) أحمد بن طولون)، سُمّي باسمه، وحبس له من الأوقاف ما يلزم للإنفاق عليه، وبنى فيه الحمامات للرجال والنساء، وقد تحدث المؤرخون والرحالة عن هذا المستشفى الذي جعله ابن قلاوون وقفاً لعلاج مرضى المسلمين.

المستشفى العضدي ببغداد والمستشفى المنصوري في القاهرة، والمستشفى النوري في دمشق، والمستشفى المنصوري في مكة المكرمة، وغيرها كثير.

أوقاف بيئية معاصرة

برزت أوقاف بيئية معاصرة، كمصدر مستلهم من التراث والحضارة الإسلامية العربية، تضمن الخدمات التي تقدمها للأجيال القادمة، فالوقف البيئي له أن يُسهم في المجالات العلمية وفي توفير دعم الزراعات العضوية، والصناعات النظيفة البديلة عن الطاقات النابضة، والمساهمة في بناء مصانع تخلصنا من النفايات التي تحيط بمدننا والاستفادة منها اقتصاديا في ذات الوقت، من خلال تدويرها، ويمكن أن تكون أوقاف في الطاقة الشمسية، وفي تحلية المياه الصالحة للشرب، وغير ذلك من الأوقاف البيئية المساهمة في التنمية الإنسانية المستدامة.

ومن أبرز الأمثلة المعاصرة للوقف البيئي: أوقاف الشيخ محمد بن عبدالعزيز الراجحي: والتي تتمثل في الأوقاف الزراعية في السعودية، حيث تُعدُّ تلك المزارع الوقفية من أهم القطاعات التشغيلية، إذ أوقف الشيخ محمد بن عبد العزيز الراجحي (رحمه الله) مزرعتين بكل من منطقة الخرج ومنطقة القصيم، وتعد مزارع أوقاف الراجحي من أكبر مزارع النخيل على مستوى العالم حيث تحتوي على 235 ألف نخلة منها أكثر من 42% نخلة في مرحلة الاثمار، وتتميز مزارع الاوقاف بتنوع الاصناف والجودة العالية للتمور فتحتوي على اصناف الصقعي والخلاص والسكري والمجدول والخضري وقد تم اقامة مقر لإدارة المزارع في الحنية بالخرج نظراً لاتساع المساحة ووجود مركز ابحاث النخيل داخل المزرعة مما يساعد على التواصل الدائم بين مركز الابحاث وادارة المزارع.

 

انقر هنا للوصول للمقال على موقع ويكيبيديا