
الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في عمل الأوقاف
شهدت الفوائد المتأتية من الذكاء الاصطناعي نمواً مضطرداً في السنوات الأخيرة، حيث يعد الذكاء الاصطناعي ظاهرة عالمية، ومن المنتظر أن تستفيد منه جميع البلدان والقطاعات. وبحلول عام 2030، من الممكن أن تحل الأتمتة محل ما نسبته 20٪ إلى 25٪ من القوى العاملة في دول مثل فرنسا واليابان والولايات المتحدة. كما أصبح الذكاء الاصطناعي من المقومات الوطنية التي تتسابق إلى استخدامه كثير من الدول المتقدمة للاستفادة منه في بناء اقتصادات متينة تعتمد على البيانات والتقنيات الحديثة. وتُعد المملكة العربية السعودية من الدول السباقة إلى استخدام تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 من ذلك إنشاء الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) لتعزز مكانة المملكة ضمن أفضل الدول الرائدة في الاقتصادات المستدامة المعتمدة على البيانات والذكاء الاصطناعي.
ونظراً للخصائص المميزة العديدةِ التي يتصف بها الذكاءُ الاصطناعيُّ، فقدْ تمكَّنَ من اختراقِ العديدِ من مجالاتِ الحياةِ التي نعاصرها اليومَ بدءً بالتطبيقاتِ الإلكترونيةِ، التي تقومُ بتنفيذِ المهامِّ بصورةٍ آليَّةٍ وسريعةٍ، مروراً بالروبوتاتِ التي تعملُ بالذكاءِ الاصطناعيِّ، وحتى أجهزةِ الحاسوبِ التي تعملُ بنظامِ إدخالِ البياناتِ وحفظِ الملفِّاتِ بذاتها. كما يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل كم هائل من البيانات فضلاً عن أتمتة العمليات وتقديم الرؤى والتوصيات التي تمكّن الشركات من تحري الدقة وتحقيق الكفاءة وزيادة الإنتاجية وتحسين عملية اتخاذ القرارات وتيسير عملية إدارة الأفراد وخلافه. من ناحية أخرى، قد يسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة الإيرادات وخفض التكاليف في العديد من المجالات.
واليوم تدخل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في كافة القطاعات والأنشطة الإنتاجية والصناعية وكذلك الخدمية. فلا يوجد قطاع لم ولن يستفد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الذي بات أمراً واقعاً. ولكن الشيء الجدير بالذكر هو الدور الذي يمكن أن تلعبه تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع أشد حاجة للتنظيم والمراقبة والتطوير وهو قطاع الأوقاف. فلقد بعث الذكاء الاصطناعي شعاعاً من الأمل لإحياء مؤسّسات الأوقاف في العالم الحديث الرّقمي نظراً لخاصّية الشّفافيّة لدى نظامها، ولما تمتلكه من ميزات جذّابة متنوعة مطلوبة بشكل طبيعي من قبل مؤسّسات الماليّة الإسلاميّة عموما ومؤسّسات التّمويل الإسلامي كالأوقاف بالخصوص.
لقد أثبتت تطبيقات الذكاء الاصطناعي على الرّغم من أنّها لا تزال في مهدها، أنّها ثورة في مجال التّمويل الاجتماعي الإسلامي، إذ بفضلها، يمكن تنشيط مؤسّسة الأوقاف وأنه يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزّز إدارة الأوقاف من خلال دعم الشّفافيّة وثقة المتبرّعين وحسن توزيع الأموال واقتفاء مخارجها واستخداماتها للتّأكد من إنفاقها في أهدافها المحدّدة.
فهذا التّحوّل الذّكّي يفتح قنوات إلكترونيّة للمنح والمشروعات النمائية ممّا يعزّز قدرة المؤسّسات الوقفية على تحسين استدامتها المالية وتعزيز الحوكمة التشغيلية، حتّى لا تكون وسيلة للاحتيال المالي الذي يسوّق له أشخاص يدعون إلى جمع تبرّعات بعيداً عن حسن الخلق والقانون.
لقد تعرّضت الكثير من مؤسّسات الأوقاف الى التّهميش والى الاندثار رغم ما يتضّمنه مفهوم الوقف من معاني الدّيمومة والنّمو، إذ أنّه «حبس للأصل وتسبيل للمنفعة أو الثّمرة»، لكنّ تزايد الاهتمام العالمي (دول، وحكومات، وشركات، وأفراد) بالجيل الجديد من تقنية الذكاء الاصطناعي يبرق الأمل من جديد لاحتضان الوقف والاستفادة من خدماته خاصّة أمام عجز منظومات ودول وتكتّلات عن معالجة قضايا الفقر والبطالة والصّحة والتّعليم وإيواء العجّز.
كما أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجالات الوقفية يعد أحدث سبل تطوير العمل الوقفي وتعزيز القدرات في الأعمال الوقفية من خلال تقديم حلول باستخدام الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التعلّم الآلي التي تُساهم في زيادة سرعة إنتاجية المهام وأتمتة العمليات وتحسين الخدمات. فتجربة تطبيق الذكاء الاصطناعي في الأوقاف تهدف إلى تقديم أرقى الخدمات للمتعاملين مثل تقديم خدمة ابتكارية تقوم على إسعاد المستفيدين من خلال النظام الإلكتروني؛ وذلك بإعادة الاتصال الآلي بالسائل، وكذلك خدمة الرد الآلي من خلال الاستشارات الوقفية النموذجية، إضافة إلى خدمة استطلاع رأي المتعاملين لتقديم الاقتراحات الهادفة إلى تطوير العمل، فضلاً عن خدمة المستشار الوقفي الرقمي وذلك بالمحادثة الفورية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
كما يوفر الذكاء الاصطناعي خاصية الرقابة في قطاع الوقف من خلال عمليات الرقمنة والتوثيق للأوقاف، فالرقابة تقع في قمة الهرم التنظيمي لإدارة الأوقاف، لدورها الرئيسي في تنظيم وتسيير باقي المراحل وضمان التلاقي مع أسس الجودة الشاملة، وهي إحدى متطلبات الحوكمة الرشيدة في نظم إدارة الأوقاف، وبعد استخدام نظم الذكاء الاصطناعي سنجد فرقاً ملموساً في نمو القطاع الوقفي. فهناك الكثير من التحديثات التي تواجه توثيق الأوقاف الإسلامية والسلبيات التي قد تنشأ نتيجة عدم التوثيق، مثل المنازعات التي قد تترتب على تحديد النظار ومصارف الوقف ومستحقيه، وصعوبة إجراءات توثيق الوقف وطولها، وعدم رقمنة عمليات التوثيق، وتخوف الواقف من تدخل الجهات الرسمية المشرفة على الأوقاف.
ومن الأمثلة البارزة على استخدام الذكاء الاصطناعي في الأوقاف هو ما يمكن أن توفره الهيئة العامة للأوقاف من خدمات عبر أجهزة أليكسا من أمازون (Amazon Alexa)، حيث يتم ربط خدمات الهيئة مع المساعدة الافتراضية (Amazon Alexa) والتي تتميز بالقدرة على التفاعل الصوتي وتشغيل الصوتيات وعمل قوائم المهام بتقنية الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن للمستخدم طرح أسئلة على أليكسا تتعلق بالهيئة وخدماتها، كما يمكنه التقدم للحصول على بعض الخدمات مثل طلب الاستماع إلى خطبة الجمعة وضبط مواقيت الصلاة والاستماع إلى أذكار الصباح والمساء مع التنبيهات والأسئلة الشائعة. كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في التحكم ومتابعة خدمات الهيئة التي توفرها للجمهور في المواقع الخارجية وسهولة الحصول على البيانات ومن ثم تحليل ودراسة البيانات لاتخاذ الاجراء المناسب وارسال التنبيهات بصورة آلية لفرق العمل وتوفير لوحة بيانات متكاملة لربط جميع الأجهزة بنظام موحد للمساعدة في استخراج التقارير اللحظية لمتخذي القرار.
إن تفعيل الأوقاف من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي من شأنه أن يساعد على الاستدامة المالية لتطوير تلك الأوقاف، علاوة على أن لا مركزية هذه التقنية هي أحد أهم الأمور اللازمة لإنعاش الوقف وتحويله إلى مصدر لعوائد يمكن الاستفادة منها في تطوير الأوقاف القديمة.
وعلاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إحداث ثورة في المشروعات التنموية الوقفية، حيث إنه بواسطة الذكاء الاصطناعي يمكن دعم قطاع العمل الوقفي وتحويل العطاء لسلوك رئيسي من سلوكيات البشر وذلك من خلال ما يمكن أن تقدمه هذه التقنية من نصائح آلية ودائمة تحثهم على العطاء، وذلك في ضوء الأدلة الدامغة والتجارب الفعلية لاستخدام تقنية chatbots أو روبوتات الدردشة لحث الأفراد على دعم القضايا التي تتعلق بهذا القطاع، ومنها على سبيل المثال، المشروع الذي اشتركت فيه شركة CFA البحثية مع عدد من الأوقاف والتي توصلت إلى أن الذكاء الاصطناعي يساعد الأوقاف في إدارة الأصول الوقفية وتحديد المخاطر والوقوف على الأهداف المالية، بالإضافة إلى تقديم الاستشارات المالية والاستثمارية.
ومن خلال دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمل الأوقاف وتسهيل الوصول إلى البيانات الضخمة يصبح من السهل إجراء التحليل العلمي اللازم الذي يترتب عليه الخروج بأفكار جديدة، على سبيل المثال توقع الاحتياجات المستقبلية وطرق سدادها، وكذلك ابتكار برامج جديدة لتقديم المساعدات المختلفة، وابتكار طرق لتشجيع المانحين وربط المانحين بالمشروعات المطلوبة. وفي صميم العمل الوقفي، يساعد الذكاء الاصطناعي في الكشف عن الإخفاقات في المشاريع السابقة وأسبابها، مما يسهم في تجنبها لاحقا، أو النجاحات ومن ثم المساعدة في تعزيزها، حيث يشير إلى قدرة الآلات والحواسيب الرقميّة على القيام بمهام مُعينة تُحاكي وتُشابه تلك التي تقوم بها الكائنات الذكيّة؛ كالقدرة على التفكير أو التعلُم من التجارب السابقة أو غيرها من العمليات الأُخرى التي تتطلب عمليات ذهنية.
وهذا مما يبشر أنه باستطاعة الذكاء الاصطناعي العمل من تلقاء ذاته على إيجاد حلول عاجلة للقضايا الإنسانية الأكثر شيوعاً والأكثر تعقيداً كمشكلات الصحة والتعليم والتدريب والتنمية، مع قدرته على سرعة الأداء والاستجابة لكافة الطوارئ على مدار الوقت وتحت مختلف الظروف. إذ يُعد التعلم الآلي وسرعة الاستجابة وتحليل المعلومات واتخاذ القرارات عاملاً في تمكين الأجهزة المزودة بتقنية الذكاء الاصطناعي لحل كافة المشكلات من تلقاء ذاتها. ولن يتوقف الأمر عند مثل هذه الحالات الخاصة فقط بل سيكون عظيماً متوسعاً، وهو ما يعني أن مستقبلاً واعداً سيجعل الذكاء الاصطناعي والروبوتات تعمل على حل المشاكل الاجتماعية الأكثر صعوبة ليس في نطاق ميداني بسيط بل في العالم كله.
إن القطاع الوقفي بمكانته المتميزة كلاعب مستقل عند تقاطع الصناعة والحكومة والأوساط الأكاديمية يساهم في قيادة ثورة الذكاء الاصطناعي الأخلاقية والشاملة، في الوقت نفسه، لدى الذكاء الاصطناعي الكثير ليقدمه للقطاع الوقفي . سواء من أجل التطوير التنظيمي أو تعزيز التأثير. إن الافتقار إلى الوعي بتقنيات الذكاء الاصطناعي وإمكانياته من قبل المنظمات الوقفية يحد بشدة حالياً من المهمات الوقفية. وبالتالي، فإن إثبات مجال أبحاث الذكاء الاصطناعي للأعمال الوقفية لمعالجة هذه الفجوة في المعرفة من شأنه أن يفيد بشكل كبير المساعي الوقفية.
كما أن تبادل الخبرات بشأن استخدام تقنيات الذكاء الاصطنـاعي في مجـال الوقف يسهم في الارتقاء بأساليب العمل الوقفي وتجاوز التحديات التي قد تصادف استخدام تلك التقنيات في المجالات الوقفية؛ لما يتسم به العمل الوقفي من خصوصية تستتبع ممـارسات تقنية فعالة تعمل على توظيف التكنولوجيا الحديثة في صياغة معادلات منطقية تتيح قدرات التحليل والاستخلاص العلمي وصولاً إلى نتائج ايجابية تحقق المنفعة العامة.
من هنا، وعند التأمل في مختلف العوامل المتعلقة بوثائق الأوقاف في دول العالم الإسلامي اليوم من تأخر أنظمة الأرشفة والاتصال والتسجيل في الدوائر المعنية بالأوقاف في حالات، وإمكانية التلاعب أو إخفاء أو تزوير الوثائق من مختلف الأطراف في حالات أخرى، وتأثير مجموع هذه العوامل ونحوها في اندثار الأوقاف، إضافة إلى المزايا التي يتحدث عنها خبراء الذكاء الاصطناعي وما تتمتع به من مصداقية، وشفافية، ودقة، وسرعة في التنفيذ، وتقليص للنفقات ونحوه، فإننا تقدم دعوة مفتوحة لكافة المعنيين بقطاع الأوقاف سواء كانت جهات أكاديمية، أو بيوت خبرة، أو خبراء ومختصون وباحثون؛ لإجراء مباحثات معمقة عبر البحوث والورش والحلقات العلمية، للوقوف على الفرص التي يقدمها الذكاء الاصطناعي للأوقاف سواء من ناحية حفظ وأرشفة وثائق الأوقاف من جهة، أو تنظيم العلاقات التعاقدية للجهات الوقفية مع مستفيديها ومختلف الأطراف من جهة أخرى، أو رصد نمو الأوقاف، وبناء قاعدة معلومات متكاملة وتعزيز الشفافية فيها، إضافة إلى العناية والتأمل في مخاطر هذه التقنية والتوقيت الأنسب لولوجها. كما نقدم الدعوة لكافة الجهات ذات العلاقة بالأوقاف، سواء كانت أكاديمية أو بحثية أو مهنية؛ للمبادرة في تنفيذ مجموعة من البرامج التوعوية والتأهيلية؛ لوقوف الكوادر العاملة فيها والمستفيدة من برامجها، على الحد الواجب من المعرفة بنظام الأوقاف، وتحفيز البحوث في اتجاه فرص تطوير منظومة الوقف وأدواته من خلال الذكاء الاصطناعي سواء في عمل المنظمات الوقفية أو استثماراتها وعقودها وتمويلها.
د. أحمد بن فهد الضويان
الأمين العام لأوقاف علي بن عبدالعزيز الضويان