انقر هنا للتحميل ("أوقاف الدِلاء")بسم الله الرحمن الرحيم
أوقــافُ الــدِلاء
الماء آية من آيات الله الجليلة، ونعمه العظيمة، وهو سر الوجود، وأصل الحياة، به قوامها ودوامها، واستمرارها واستقرارها، كما قال تعالى:( وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) (الأنبياء 30) وهو من صور رحمة الله بعباده يمنّ به عليهم كما قال تعالى:(أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تشربون أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) (الواقعة 68-69)
وبلدان إقليم نجد بطبيعتها الصحراوية وقساوة مناخها تعاني من ندرةٍ كبيرةٍ في المياه وافتقارًا إلى مصادرها ومنابعها الحيوية، وتعتبر الأمطار المصدر الوحيد للمياه في هذه البلدان ينعم الله بها متى شاء على من يشاء من عباده فتحمل الخير للبلاد والعباد، وتحيا بها البلدان وتزدهر، يؤدي هطولها إلى إنعاش مخزون المياه الجوفية ورفع منسوبها.
تعايش سكان هذه البلدان مع هذه الظروف والأوضاع، وتأقلموا مع هذه الصعوبات، وأصبحت الآبار هي الوسيلة الوحيدة لديهم للحصول على المياه الجوفية التي تتفاوت كمياتها من سنة لأخرى حسب كمية الأمطار، فاتجه الناس لحفر هذه الآبار وفق تصميمات هندسية بديعة تضمن سلامتها واستمرارها ومقاومتها للهدد، وجهزوها بجميع الاحتياجات الضرورية التي تساعدهم في استخراج المياه من هذه الآبار، ووضعوا لها تنظيمات دقيقة تحدد آليات تشغيل هذه الآبار وتحقيق أعلى مستوى من الاستفادة منها بطرق تضمن استمرار تدفق مياهها دون إسراف أو تبذير.
وفي بلدة أُشَيْقِر(1) التي تعتبر من أعرق وأقدم وأشهر بلدان نجد تَتَعدّد الآبار الجوفية داخل أسوار البلدة وخارجها(2)، ويزيد عددها عن سبعين بئرًا تتفاوت في تواريخ حفرها، ويعتقد أن بعضها يعود الى العصر الجاهلي(3)، وتتنوع هذه الآبار ما بين آبار خاصة بِرَيّ المزارع والبساتين، وآبار مشتركة بين الريّ وسقيا السكان، وقد أخذت هذه الآبار حقها من الأوقاف التي اشتهرت بها بلدة أُشَيْقِر، فتسابق الناس نتيجة وعيهم بفضل هذه الأوقاف ودوام أجرها إلى إيقاف كل ما تحتاجه هذه الآبار من أدوات لاستخراج المياه منها، ومن أشهر هذه الأوقاف أوقاف الدلاء أو الدُلّي(4)، ومفردها الدّلْوُ وهو وعاء يجلب بها الماء من البئر، يصنع من جلود الحيوانات له علّاقة يربط بحبل، ثم يلقى في ماء البئر لاستخراج الماء للشرب وسقي الحيوانات، ولكل دلو من هذه الدلاء ريع محدد من عين موقوفة لِموقِف الدلو يصرف منه على صيانة الدلو وتجديده ورعايته إضافة إلى حق المسؤول عنه، وفي وثيقة بعنوان: بيان بجملة ما في أُشَيْقِر من الأوقاف كتبها الشيخ محمد بن عبداللطيف(5) إمام جامع أُشَيْقِر ، ونقلها من خطه الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن عامر(6)، تم حصر الدلاء والبساتين الموقوفة عليها وهي: دلو القاضي، ودلو الفيلقية، ودلو الشمال، ودلو صبيح، ودلو الجميعية، ودلو آل بو ربّاع، ودلو آل بو غرا، ودلو الشباني، ودلو المتاريك، ودلو أبا نصيه، ودلو آل عزام،ودلو حمد القاضي، ودلو بسام، ودلو حويط عبدالله، ودلو الحضيرة.
وكغيرها من الأوقاف الأخرى يوجد لهذه الأوقاف تنظيماتها الخاصة التي صاغها السكان وطوروها مع تطور خبراتهم وحاجاتهم، وتتضمن هذه التنظيمات بنود متعددة تشكل في مجموعها منظومة متكاملة لآليات استخراج الماء الخاص بالسقيا وضمان استمرارها وعدم انقطاعها أو توقفها، ومن أبرز هذه التنظيمات: اختيار الآبار المناسبة وأعداد الدلاء المطلوبة والتي يجب أن تتناسب مع عدد السكان واحتياجاتهم التي تزداد صيفَا وتقل شتاءً، وتعيين المسؤولين عن هذه الدلاء الذين يتولون تركيبها على الآبار ومتابعتها وصيانتها، وتنظيم عمليات الاستفادة منها، ولم يكن اختيار الآبار التي توضع عليها الدلاء عشوائيًا، بل وضعت له عدة معايير يتم بموجبها اعتماد وضع الدلاء عليها من عدمه ومن هذه المعايير: عذوبة الماء، وقربها من التجمعات السكنية، عدم جفافها في فصل الصيف، الخ.
"بلغ عدد الآبار التي ركبت عليها الدلاء أحد عشر بئرًا، وتنقسم هذه الآبار فيما يتعلق بتركيب الدلاء عليها إلى ثلاثة أقسام هي:
القسم الأول: آبار تركب عليها دلاء دائمة طوال العام وعددها أربعة آبار وهي: آبار المساقي(7) المعروفة وهي بئر مسقاة القاضي التي تقع بجانب المسجد الجامع، وبئر مسقاة الفيلقية، وبئر مسقاة مسجد سوق الشمال، وبئر مسقاة مسجد الحويطة.
القسم الثاني: آبار تركب عليها دلاء مؤقتة في وقت محدد من العام وذلك في فصل الصيف وهي أربعة دلاء على أربعة آبار وهي: بئر الجفر، وبئر المديبغة، وبئر المسورية، وبئر المجاشعية.
القسم الثالث: آبار تركب عليها دلاء دائمة ومؤقتة (والمؤقتة تركب في فصل الصيف زيادة على الدلاء الدائمة نتيجة ازدياد حاجة الناس للماء في هذا الفصل، ويتم ازالتها بعد انتهاء فصل الصيف) وهي ثلاثة آبار: بئر الربيعية، وبئر العصامية، وبئر الجميعية"(8)
ووقف صبيح(9) ببلدة أُشَيْقِر، والذي تعتبر وثيقته أقدم وثيقة وقفية بإقليم نجد والمؤرخة عام 747هـ، يعتبر من أقدم الأوقاف التي نص الموقف فيها على الدلاء بقوله -رحمه الله-: ثم ما حصل منه فيخرج منه دلو وحبلها على بئر العصامية فإن تعطلت بئر العصامية جعلت على بئر غيرها مما ينتفع به المسلمون (10).
"أما طريقة اختيار المسؤولين عن إعلاق(11) الدلاء فإن ذلك يتم عن طريق طرح مناقصة من قبل الفلاحين الذين توجد في بساتينهم الأوقاف الخاصة بالدلاء في أيام الجمع بعد صلاة الجمعة مباشرة وذلك في سوق البلدة التجاري وهو مكتظ بالناس، فمن يرغب في أن يكون مسؤولا عن دلو من الدلاء ما عليه إلا أن يطلبه بكذا وزنة من التمر - ويحدد عدد الوزنات - فأيهم طلبه بأقل عدد منها - رست عليه - وكلف به"(12).
وقد وردت أوقاف الدلاء في العديد من الوثائق الوقفية المحفوظة لدى سكان بلدة أُشَيْقِر، ومنها ما ورد في وثيقة بعنوان: بيان بجملة ما في أُشَيْقِر من الأوقاف، جاء فيها: بيان الدلي دلو القاضي ووقفها في بستانها الذي شمال عنها وليس لأحد عليه دعوى في مغارس ولا غيره، ودلو الفيلقية في بستانها الذي مطلع الشمس عنها وهو وقف البجادي وابن عقيل يدعي بمغارسة أربع نخلات فيها، ودلو الشمال في وقف مسند بن إبراهيم في الجفرة الشمالية، ودلو صبيح في حيطانه قادمة على العصامية ودلو الجميعية منها خمس وأربعين وزنة قادمة في أرض العطيرزيات والباقي قادم أرض الدعيجي وأرض الصقاري هؤلاء الخمس المذكورات قايمات الدهر، وإما دلو آل بو رباع أو آل بو غرا على الربيعية فهي كلما وقفت الركية في أيام سيل أو وقفة الصيف أو خلفة الدور فهي تركب وكذلك وقف دلو الشباني على الربيعية ما حصل من ريعه ركبت به ولو نصف السنة، ودلو آل بو رباع أيضا في المديبغة تعلق على الربيعية وأيضا دلو المتاريك في قبيصان تعلق على الوصطى ودلو أبا نصيه تعلق على الفريج في البدي في الجفر ودلو آل عزام في ملكهم على العصامية ودلو حمد القاضي في حوطة حمد على العصامية ودلو بسام في المراح على المقيشعية ودلو حويط عبدالله على المجاشعية ودلو الحضيره على المسورية (13).
ومازالت هذه الدلاء تقوم بوظيفتها في جلب المياه من الآبار إلى أن أنشئت شركة النجاح الزراعية بأُشَيْقِر عام 1368هـ، والتي قامت بجلب المكائن إلى أُشَيْقِر لأول مرة وتركيبها وتشغيلها على الآبار المخصصة، وفي عام 1381هـ(14)، ونتيجة لجفاف الآبار تم الاستغناء نهائيا عن هذه الدلاء.
كتبه
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم السماعيل
27/3/1445هـ
أُشَيْقِر
[1] - بلدة أُشَيْقِر (بضم الهمزة وفتح الشين وسكون الياء وكسر القاف)، بلدة معروفة تقع في إقليم الوشم في منطقة نجد وسط المملكة العربية السعودية تقريبًا، وتحدد بخط الطول 12 – 45 شرقًا، وخط العرض 20 - 25 شمالً، شمال غرب مدينة الرياض العاصمة، وعلى بعد حوالي 200 كم منها، وتتبع إداريًّا لمحافظة شقراء، والتي تتبع بدورها إداريًّا لمنطقة الرياض.
[2] - الآبار الواقعة خارج سور البلدة يستفيد منها البدو الرحل للشرب وسقيا المواشي أثناء تنقلاتهم، كما يستفيدون منها في فصل الصيف عندما يستقرون خارج بلدة أشيقر ليكونوا قريبين من مصادر المياه.
[3] - من أشهر هذه الآبار: بئر المديبغة، وبئر العصامية، وبئر المجيشعية، وبئر الجفر، وبئر الغطفاء، وبئر الربيعية، وبئر البديعة، وبئر السّديس، وبئر الغبية، وبئر المسوريّة.
[4] - مفردها: دَّلْوُ، وجمعا دِلْاء، ودُلِّ.
[5] - محمد بن عبداللطيف بن محمد بن علي بن حمد بن معيوف بن سعد بن يوسف بن ناصر الباهلي، وُلد في بلدة أُشَيْقِر في حدود سنة 1185 ه، تعلم في كُتّاب البلدة وحفظ القرآن عن ظهر قلب، ثم طلب العلم على علماء بلده، تولى الإمامة والخطابة في جامع أُشَيْقِر حتى وفاته، كما تولى الوكالة والإشراف على أوقاف الصوام في أُشَيْقِر بعد عياف بن محمد بن يوسف، توفي رحمه الله سنة 1278 ه. انظر: كتاب: البسيمي، العلماء والكتاب في أُشَيْقِر خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، ج 1، ص 330 .
[6] - عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد بن أحمد بن سليمان بن عامر، من قبيلة شمر، ولد في أُشَيْقِر عام 1259 ه، حفظ القرآن الكريم في الكتاتيب، طلب العلم على علماء الوشم وسدير والقصيم، ومن أشهر مشايخه: الشيخ علي بن عبدالله بن عيسى، قاضي الوشم في شقراء، والشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى قاضي سدير، والشيخ محمد بن عبدالله بن سليم، وعبدالعزيز بن محمد بن مانع في القصيم، تولى إمامة جامع أُشَيْقِر بعد وفاة الشيخ محمد بن فنتوخ، واستمر إمامًا للجامع إلى عام 1351 ه، كان من أبرز الوراقين في نجد في القرن الثالث عشر الهجري، تميز بخط جميل متقن، واستحوذ نسخ الوثائق على اهتمامه، بالإضافة إلى نَسخه لكثير من المخطوطات، نسخ بخطه عشرات الكتب في علوم مختلفة، كما نسخ مئات الوثائق منها نسختان من ديوان أوقاف الصوام بأُشَيْقِر، وقد تولى الوكالةَ على أوقاف الصوام بأُشَيْقِر بالاشتراك مع عبدالله بن سليمان بن عياف، وبعد وفاة ابن عياف عام1326 ه استقل بها حتى وفاته، توفي -رحمه الله- عام 1356 ه.
[7] - المساقي: جمع مسقاة، وهي مكان للوضوء والاستحمام عبارة عن غرفة 3م في 4م وبها مدي عبارة عن حجر منحوت على شكل وعاء طويل ويوضع به الماء الذي يستخرج من البئر الملحقة بالمسقاة وفي جزء منها زاوية لا يتجاوز أطوالها 60س في 90 سم وبها حجر منحوت على شكل قدر يوضع به ماء من الدلو مرتفع بحيث يكون فوق قامة الرجل ثم يوضع فيه الماء ويفتح من فتحة صغيرة تنساب منه المياه على رأس الرجل وجسمه ويستحم بسرعة البسيمي، عبدالله بن بسام (1427ه)، مقال بعنوان: من أوقاف المياه في بلدة أشيقر قديما، جريدة الرياض الجمعة 18 جمادى الآخرة 1427هـ - 14 يوليو 2006م - العدد 13899.. ينظر: البراك، عبدالعزيز (1443ه)، مقال بعنوان: المسقاة والمياه الرمادية، جريدة الجزيرة، الأثنين 04 شعبان 1443ه، ع 17951.
[8] - البسيمي، عبدالله بن بسام (1427ه)، مقال بعنوان: من أوقاف المياه في بلدة أشيقر قديما، جريدة الرياض الجمعة 18 جمادى الآخرة 1427هـ - 14 يوليو 2006م - العدد 13899.
[9] - صبيح مولى وعتيق عقبة بن راجح بن عساكر بن بسام، عاش في أواخر القرن السابع وأول القرن الثامن الهجري في بلدة أُشَيْقِر، اشتهر بصلاحه وتقواه فأعتقه سيده فتفرغ للعبادة والكسب، وصار له عقار وضياع منها بستان يعرف الآن بحائط صبيح في أُشَيْقِر، أوقفه لله تعالى ليصرف ريعه على أعمال البر والخير، وللاستزادة انظر كتاب: آل بسام، عبدالله بن عبدالرحمن بن صالح (1419 ه)، علماء نجد خلال ثمانية قرون، ج 2، الطبعة الثانية، ص" 558 بتصرف".
[10] - السماعيل، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم (1442ه)، ديوان أوقاف الصوام بأشيقر، مؤسسة ساعي لتطوير الأوقاف، سلسلة إصدارات ساعي العلمية 21، وثيقة وقف صبيح، ص 48.
[11] - إعلاق الدلاء مصطلح قديم يقصد به تركيبها على البئر لتكون جاهزة للاستعمال. والمسؤول عن إعلاق الدلو يتابعه باستمرار في عمل كل ما يلزمه، ومن المهام التي يقوم بها: تركيب المحالة، وإذا انشق الدلو يقوم بعملية رقعه، وإذا تلف أبدله بغيره، وإذ اهترى الرشاء - وهو الحبل المربوط به الدلو - أو تقطع أبدله بغيره أيضا، وإذا سقط الدلو في البئر يخرجه بآلة تسمى العوقدة وهي الأخرى موقوفة. ينظر:البسيمي، عبدالله بن بسام (1427هـ) مقال بعنوان: من أوقاف المياه في بلدة أشيقر قديماً، جريدة الرياض الجمعة 18 جمادى الآخرة 1427هـ - 14 يوليو 2006م - العدد 13899.
[12] - البسيمي، عبدالله بن بسام (1427ه)، مقال بعنوان: من أوقاف المياه في بلدة أشيقر قديما، جريدة الرياض الجمعة 18 جمادى الآخرة 1427هـ - 14 يوليو 2006م - العدد 13899.
[13] - السماعيل، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم (1442ه)، ديوان أوقاف الصوام بأشيقر، مؤسسة ساعي لتطوير الأوقاف، سلسلة إصدارات ساعي العلمية 21، وثيقة بعنوان: بيان بجملة ما في أشيقر من الأوقاف، ص 47.
[14] - السماعيل، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم (1442ه)، شركة النجاح الزراعية بأشيقر، ص 14.